تكتب نهال الأعصر أن أي قراءة جادة لتاريخ المنطقة العربية الحديث لا تنفصل عن نشأة إسرائيل بوصفها كيانًا استعماريًا عسكريًا ارتبط منذ البداية بإعاقة مشاريع النهضة العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تربط الكاتبة بين قيام هذا الكيان وبين منع تشكّل دول عربية قوية، وعلى رأسها مصر، بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وأوروبا في حماية طرق التجارة وقناة السويس، ويحوّل إسرائيل إلى حاجز استراتيجي في وجه أي تحديث عربي مستقل.
ويعرض معهد ترانزيشنال هذا التحليل في سياق أوسع يرى أن فلسطين لم تكن الهدف بحد ذاته، بل الأداة. يوضح الطرح أن القوى الاستعمارية، بعد تجربتها مع محمد علي في القرن التاسع عشر، أدركت خطورة صعود مصر موحدة وقوية، فجرى زرع الكيان الصهيوني في فلسطين لمنع مصر من قيادة مشروع وحدوي عربي، ولتفتيت المشرق والمغرب العربيين سياسيًا وجغرافيًا.
مصر والمشروع القومي المجهض
توضح الكاتبة أن مصر، بحكم تاريخها السكاني والمؤسسي، بدت مؤهلة لتكون قوة إقليمية كبرى. في الخمسينيات والستينيات، حاولت بقيادة جمال عبد الناصر لعب هذا الدور بدعم شعبي عربي واسع، خاصة بعد نكبة 1948. تابعت الصحافة العربية آنذاك تحركات مصر باعتبارها أملًا للتحرر من الهيمنة البريطانية وبوابة لوحدة عربية أوسع.
لكن الواقع الاقتصادي والعسكري لم يواكب الطموحات. استنزفت الحروب المتعددة، والدعم الذي قدمته مصر لحركات التحرر العربية، قدراتها المحدودة كدولة خرجت حديثًا من الاستعمار. في الوقت نفسه، رفضت القاهرة الارتهان للغرب، وسعت إلى الاستقلال الاقتصادي، ما دفعها إلى الاقتراب من الاتحاد السوفييتي وحركة عدم الانحياز. رغم ذلك، لم تحظَ مصر يومًا بدعم يعادل ما قدمته واشنطن لإسرائيل.
بلغ المشروع القومي ذروته مع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958، في حدث غير مسبوق عكس جدية فكرة الوحدة العربية وأثار قلق القوى الإمبريالية والأنظمة العربية المحافظة. لكن التجربة انهارت بعد ثلاث سنوات، وبقيت آثارها الثقيلة على الاقتصاد والسياسة المصرية.
إسرائيل والعسكرة وتقييد السياسة
تشرح الأعصر أن الصراع مع إسرائيل لعب دورًا حاسمًا في صعود المؤسسة العسكرية داخل الدولة المصرية. منحت الهزيمة في 1948، ثم الحروب المتتالية، الجيش شرعية مستمرة بوصفه حامي الأمن القومي في مواجهة تهديد وجودي على الحدود الشرقية. فرض هذا الواقع أولوية «المعركة» على السياسة، وقيّد المجال العام باسم الأمن القومي.
تعمّق هذا المسار مع هزيمة 1967، التي لم تُهزم فيها الجيوش فقط، بل تضررت معها شرعية المشروع القومي ذاته. بعد ذلك، عزز أنور السادات هذا التحول عبر إضعاف التيارات اليسارية والناصرية، ودعم التيارات الإسلامية سياسيًا، وإرسال العمالة المصرية إلى الخليج، ما أسهم في انتقال أنماط دينية محافظة إلى الداخل المصري.
تربط الكاتبة أيضًا بين التحول اليميني الديني داخل إسرائيل، خاصة بعد السبعينيات، وبين صعود الإسلام السياسي في مصر. ساعد هذا التحول على ترسيخ خطاب يرى الصراع مع إسرائيل صراعًا دينيًا وجوديًا، ويصور الهزائم بوصفها فشلًا للعلمانية والقومية، وهو ما غذّى شعبية جماعات مثل الإخوان المسلمين.
الهزيمة المستمرة وأزمة الثقة
تناقش الأعصر أثر العجز عن حسم الصراع مع إسرائيل على الوعي الجمعي المصري. خلقت استمرارية الهزيمة شعورًا مزمنًا بالارتباك وفقدان الثقة، انعكس في انتشار نظريات المؤامرة وتفسيرات ثقافوية للتراجع، بل وفي تبني بعض الخطابات الغربية التي تقدم إسرائيل نموذجًا ناجحًا مقابل «تخلف» عربي مزعوم.
بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، دخلت مصر مرحلة جديدة من التطبيع الرسمي مع إسرائيل، رافقها تصاعد القمع الداخلي لإعادة إنتاج دولة تتعايش مع واقع الهزيمة. تعمق هذا المسار في عهد حسني مبارك عبر قوانين الطوارئ وتوسيع الأجهزة الأمنية، وصولًا إلى انفجار ثورة 2011، ثم الثورة المضادة التي أعادت ترسيخ دولة أكثر قمعًا وفقيرة سياسيًا.
تخلص الكاتبة إلى أن استمرار وجود إسرائيل دون حل عادل خلق أزمة ثقة عميقة في مصر، تمس السياسة والاقتصاد والهوية. ترى أن الجماهير تدرك الفجوة بين تاريخ مصر وإمكاناتها، وبين واقعها الحالي، وأن كسر هذه الدائرة لا يتحقق إلا باستعادة الفعل الشعبي. في هذا المعنى، يصبح الشارع، لا التسويات المفروضة، شرطًا ضروريًا لأي تحرر حقيقي، ليس لمصر وحدها، بل للمنطقة بأكملها.
https://www.tni.org/en/article/the-condition-for-freedom-is-for-the-egyptian-masses-to-take-to-the-streets

